Advertise

 
الثلاثاء، 25 فبراير 2020

أهمية الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا في 22 شباط 1958.

0 comments
 اليوم في 22 شباط 2020 ونحن بعيدون عن تاريخ 22 شباط 1958 يوم أعلان ميثاق الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة ، فأننا مازلنا نكتب عنه لعلمنا انه من الاستحقاقات التي يجب ان تظل راسخة في وجدان الشعب العربي، والتي لا يجب ان تنسى اطلاقا مهما مر الزمان عليها، فقد كانت الوحدة في زمانها ضرورة في تعدد اسبابها، كما أنها تعد واحدة من أهم الأحداث العالمية التي ساهمت في تحديد مستقبل التوازن الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت حاسمة في أفول نجم القوى الاستعمارية التقليدية، وتألق نجوم جديدة على الساحة الدولية واليوم فهي أي الوحدة أكثر ضرورة رغم ان هنالك من يعتبرها اليوم فكرة من الماضي لاحياة لها، كأنما يريدون القول ان العرب على هذه الشاكلة المتفككة والمتقطعة هم أفضل. 

 ولكي يعي شباب اليوم معنى و ضرورة و أهمية الوحدة العربية في وجدان الرئيس الملهم الزعيم جمال عبد الناصر الذي أكد أنها البعد الثالث لقيام ثورة 23 يوليو 1952 المجيدة بعد الحرية والعدالة الأجتماعية ومن يود أن يعلم ذلك لا بد من أن يلقي نظرة على أهم العوامل والأسباب و الأحداث التي ظهرت في الخمسينيات في منطقة الشرق الأوسط *** فلقد كان من أهم الأحداث التي ظهرت في خمسينيات في منطقة الشرق الأوسط ما يلي:

 أولا: التصريح الثلاثي عام 1950 بضمان حدود اسرائيل (من قبل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية).

 ثانيا : تأسيس منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط عام 1951 (حائط عسكري ضد المد الشيوعي)

ثالثا : قيام حلف بغداد: 1954-1955. (بريطانيا- تركيا- العراق- أيران- باكستان ضد المد القومي العروبي الوحدوي الناصري)

 رابعا : العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر عام 1956 (بريطانيا-فرنسا- اسرائيل ضد المد القومي العروبي الوحدوي الناصري) 

 خامسا : مشروع أو مبدأ الرئيس الأمريكى أيزنهاور 1957 (ضد المد القومي العروبي الوحدوي الناصري ) 

 سادسا: الوضع في مصر خرجت مصر بانتصار سياسي كبير في‏ 1956‏ بعد فشل العدوان الثلاثي عليها‏,‏ وهنا بدأت مخططات جديدة بهدف تحقيق ما عجز السلاح عن فرضه‏,‏ فأصبحت منطقة الشرق الأوسط محور صراع سياسي ضاريا بين الغرب وقوى التحرر العربية‏ بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر..‏  وبأختصار شديد نستطيع القول بأن الرئيس جمال عبد الناصر كان قد بدأ ومنذ اليوم الأول لقيادته لثورة 23 يوليو 1952 بدأ بأقامة أصلاحات عديدة كبرى في الداخل شدت أنظار الشعب العربي كله من محيطه الى خليجه للتعلق بزعامة ذلك المارد الأسمر وبنهجه الأصلاحي و القومي العروبي الوحدوي والناصري وحاجتها اليه.   نذكر من تلك الأصلاحات بأختصار : الأصلاح السياسي، الأصلاح الزراعي، الاصلاح الأقتصادي، الأصلاح الصحي وبناء المستشفيات والمصحات المحلية، الأصلاح التربوي والتعليم العالي،بناء مساكن الطلاب الأصلاح الصناعي اصلاح المواصلات، أصدار ميثاق الضمان الأجتماعي ، تكوين الجمعيات التعاونية أنشاء وزارة الأنتاج، تأميم قناة السويس وبناء السد العالي ألخ 

 سابعا : الوضع في سوريا عاشت سوريا قبل الوحدة بعامين واقعاً مضطربا مؤلماً ومحزناً وصراعا عنيفا مخيفا بين القوى السياسية و العسكرية . ولم يعد أمامها الا الاتجاه نحو القاهرة. وكانت الوحدة.. خلاصا من ذلك الواقع بغض النظر عن كونها مطلباً جماهيرياً أثبت صدق الشعب السوري وإخلاصه وتضحيته في سبيله فبعد حرب السويس في عام 1956 بدأت الأنظار تتجه الى سوريا لعلها تخضع للغرب بعد أن صمدت مصر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتركزت منذ ذلك التاريخ عوامل عدة في واقع الحياة الداخلية لسوريا متفاعلة ومنفعلة مع وضد الأحداث الخارجية. 

وجاءت تلك العوامل من المنطقة العربية أو من تفاعلات السياسة الدولية والحرب الباردة التي كانت على أشدها ما بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي..‏ *** وبعد اغتيال عدنان المالكي في 22 إبريل 1955 تفكك الجيش السوري إلى 20 كتلة عسكرية، كل واحدة منها لها زعيمها، وكل واحد منهم يتوقع أن تجرى استشارته قبل أي قرار، وجرى بعد ذلك توزيع الأدوار على العسكريين والمدنيين، ثم أشاع أكرم الحوراني لحلفائه العسكر، أن الاتحاد مع مصر سيكون الضمانة ليتخلصوا من السياسيين المدنيين، وسيتيح لهم الرئيس المصري جمال عبدالناصر تشكيل لجنة قيادة ثورة سورية على غرار المصرية..

لذلك تشجعوا للذهاب إلى القاهرة في 12 يناير عام 1958 بقيادة قائد الأركان عفيف البرزي، تاركين وراءهم نائب قائد الأركان أمين النفوري، ورئيس المكتب الثاني عبدالحميد السراج، حيث كانوا قبل ذلك قد شكلوا مجلس قيادة ثورة برئاسة عفيف البرزي وكان يجتمع معهم الملحق العسكري المصري عبدالمحسن أبو النور، وبعد اجتماع الضباط الـ 14 في مصر مع جمال عبدالناصر قال أحدهم وهو أمين الحافظ معبراً عن رأي الضباط : " إننا نضع أنفسنا تحت تصرفك يا سيادة الرئيس، ولك أن تتصرف بنا كما تشاء، وإن بامكانك أن تجري كل التنقلات التي تريدها في صفوفنا من فيق إلى أسوان، وإن الاستعمار أقام جداراً بيننا وقد جئنا لنهدم هذا الجدار".". 

 ويقول الرئيس جمال عبد الناصر إنه فوجئ في 14 يناير 1958 ( وكان آنذاك في الأقصر برفقة رئيس إندونيسيا أحمد سوكارنو) بوصول طائرة سورية إلى مطار القاهرة وعلى متنها 20 ضابطا سوريا، وقد التقى الضباط بالمشير عبد الحكيم عامر، وأخطروه بأن سوريا في خطر، وتقابلها كارثة، وهناك مخاوف من أن ينقض الشيوعيون على الحكم في دمشق.. ورأوا أن الحل هو إتمام الوحدة مع مصر. 

 وتقول الدكتورة هدى عبد الناصر نقلا عن والدها: "في اليوم التالي قابلهم ناصر. ورغم أنه أبلغهم بأنه لن يقبل إقامة وحدة بهذه السرعة لأن الوحدة يجب ألّا تقوم على أساس عاطفي، وأنها تحتاج إلى 5 سنوات على الأقل... إلا أنهم أصروا وقالوا له إن سوريا ستضيع فهل سوريا لا تهمك؟؟؟ وبعدها بعشرة أيام حضر الرئيس السوري شكري القوتلي في 26 يناير، وتم التوقيع على طلب الوحدة بين الرئيسين.. 

ثم أعلنت الوحدة رسميا. وفي عام 1960 تم توحيد البرلمان في البلدين ليصبح مجلس الأمة بالقاهرة وألغيت الوزارات الإقليمية لصالح وزارة موحدة في القاهرة أيضاً وفي 5 شباط (فبراير) عام 1958 القى الرئيس جمال عبد الناصر خطابا مدويا في مجلس الأمة في القاهرة معلنا رسميا الوحدة بين مصر وسوريا في جمهورية واحدة تدعى الجمهورية العربية المتحدة نذكر مقطعا مهما من ذلك الخطاب التاريخي حيث يقول: ..... " ......ولقد وقعت حركة هائلة جمعت شعبين من أمة واحدة في جمهورية متحدة، وكان لا بد أن يتسع الاطار لكي يستطيع أن يضم النطاق الجديد قلت لحضراتكم مرة، إننا نعتبركم مجلس الثورة الجديد، باعتبار أن الثورة مستمرة . وإنه لمما يدعو إلى الأمل أن تجربة الشهور القليلة التي مضت، منذ بدأ مجلسكم يمارس عمله، كانت تبشر بتعاون كامل، يستهدف صيانة مصالح الشعب، ويسعى إلى بناء المجتمع الجديد. وإنه لحق علينا أن نقول لحضراتكم، في هذه اللحظة الفاصلة في تاريخ شعبنا، إنكم كنتم على خير ما كنا نؤمل ونتمنى، وأن مشاركتكم لنا في المسؤوليات كانت خير عون لنا فيما مضينا لتحقيقه من الأمور. وإنه لمما يسعدني، أن التطور العظيم الذي نعيشه، لن ينهي صحبتنا على الطريق ، وإنما هو، على العكس، سيقوي الأواصر بيننا، ويشد الصلات، ويجعلنا فيما نحن مقبلون عليه أكثر اندفاعأ وأصلب عوداً، وأعز وحدة وتضامناً. أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة، على أنني أرى أن من واجبي، في هذه اللحظات، أن أصارحكم وشعب الجمهورية العربية المتحدة كله معكم، أن الطريق الذي نقبل عليه طويل وشاق... إن رحلتنا عليه ليست نزهة نروح بها عن النفس وانما رحلتنا هي مشاق ومتاعب، وكفاح وجهاد. . . ولكن هذه كلها هي الثمن العادل للأمل الكبير الذي نسعى إليه ولسوف يضاعف من مصاعب ما سوف نلقاه أمامنا على الطريق أن الذين لا تروقهم وحدة سورية ومصر، ولا توافق أغراضهم، لن يتقبلوها بالرضى والسكون، وإنما ستكون ا لمساعي، وستكون المحاولات، وستكون ا لمناورات . لهذا أقول لكم من الآن: إننا في سعينا على طريق أملنا، يجب أن نظل مفتوحي الأعين منتبهي الحس والوجدان . ولكن علينا أن ندرك أن لهذه الفترة الرائعة أخطارها أيضاً. .

 وربما كانت شهوات أنفسنا هي أكبر الأخطار التي يتعين علينا مواجهتها ؛ لقد مرت علينا قرون من الزمان وأحلامنا وأمانينا ورغباتنا وأهدافنا حبيسة وراء الحواجز والسدود التي صنعها الاستعمار. ولقد تهاوت الحوا جز والسدود، لما زال وجود الا ستعمار من بلادنا، وهكذا بدأت الأ حلام والأماني والرغبات والأهداف تنطلق من عقالها وتتدا فع بسرعة في مثل تدفق الفيضان... ولقد كان هذا هو التفسير الحقيقي لسرعة الحوادث في جيلنا، وهذا أمر طبيعي، بعد أجيال عديدة مكبوتة، ولكن هذا أيضاً تحذير كما هو تفسير.  

إنه تحذير بأن من أول واجباتنا أن نقيم من الحكمة خزانات على أمانينا ثم نفتح عيونها ليمر التيار، على شكل الفيضان المنظم، ولا يخر فوق رؤوسنا كالطوفان العالي الشديد.. إنني واثق أن التجربة التي نواجهها اليوم ستحقق كل ما يروجوه لها هؤلاء الذين عملوا لمشرق فجرها، طوال الليل المظلم . وإنه لمما يؤكد ثقتي أن الله- تعالت قدرته- قد جمع قلبنا بقلب خير رفيق، وخير أخ ، وخير حبيب.. فقد أكد شعب سورية بتجارب الأيام، تجربة بعد تجربة، انه طليعة القومية العربية وانه رأس الحربة في اندفاعها، وانه الحارس الأمين لتراثها المجيد. 

لقد بزغ أمل جديد على أفق هذا الشرق إن دولة جديدة تنبعث في قلبه . لقد قامت دولة كبرى في هذا الشرق، ليست دخيلة فيه، ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية... دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوي ولا تضعف، توحد ولا تفرق، تسالم ولا تفرط، تشد أزر الصديق، ترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحار، تؤكد العدل، تدعم السلام، توفر الرخاء لها ولمن حولها وللبشرجميعا، بقدر ما تتحمل وتطيق . 

وفقكم الله، وبارك وحدتكم، وحمى جمهوريتكم العربية المتحدة،. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 


وما أن انتهى الرئيس جمال عبد الناصر من خطابه التاريخي ذلك حتى عمت البهجة و الفرحة قلب الشعب المصري والشعب السوري و قلوب الشعب العربي وامتلأت جميع شوارع وطرقات القاهرة ودمشق وجميع مدن وقرى الأمة العربية من محيطها لخليجيها ببحر من ملايين البشر أوله في دمشق وبيروت وأخره في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب لتعبر عن فرحتها ومباركتها لهذا الحدث العظيم وتتطالب ملوكها و جميع رؤوسائها بتكملة المشوار والأنضمام لتلك الوحدة العظيمة التي رفعت راية القومية العربية عاليا في السماء. فأنتشرت دعوة القومية العربية انتشارا جارفا كاسحا زلزل اسس الأستعمار ووقواعد الصهيونية واعوانها من ملوك و رؤوساء العرب المأجورين واغاظهم وأقلق مضاجعهم. فقد عرف الشعب العربي طريقه الذي بدأ بأول خطوة لوحدة اندماجية ذاب فيها الشعبان المصري والسوري الى حد التمازج والانصهار الكامل، أذ انها قدمت لوحة رائعة من جمالية الاحتشاد الجماهيري الذي واكبها وعاش آمالها، ونام وصحا على تجربتها الفذة .

 حتى ان زيارات الرئيس جمال عبد الناصر الى المحافظات السورية كانت بمثابة يوم من ايام العمر، فقد كان من الصعوبة لمكان ان يتمكن من الترجل في مدن لك المحافظات الا بصعوبة فائقة نظرا للحشود الشعبية، وذات زيارة له حاول العبور في شوارع دمشق بسيارته الانيقة السوداء المكشوفة فواجه مشكلة الازدحام الهائل الذي منعه من الحركة الى قصر الضيافة، فكان ان قطعت السيارة امتارا قليلة خلال ساعات، وفي ذلك اليوم المشهود هجمت الناس على سيارة الرئيس وقامت بحملها رغم وزنها الكبير وهو بداخلها يلوح لهم كعادته. 

عندما حمل السوريون سيارة الرئيس جمال عبد الناصر حبًا وعشقًا يقول الكاتب والمفكر الكبير الأستاذ عبد الله السناوي في تلك الصورة البانورامية للشعب السوري العربي الأصيل : " أن المشاعر الجياشة للشعب السوري في حب مصر، ظهرت في زحف جميع أطياف السوريون إلى العاصمة دمشق لمشاهدة رئيسهم الجديد الزعيم جمال عبد الناصر الذي وطأت قدمه سوريا لأول مرة كرئيس للدولة وحامل أملها فى بناء دولة عربية كبرى فى المنطقة، وهي كانت مفاجأة للرجل الأقوى في سوريا عبد الحميد السراج الذي لم يكن يتوقع قدوم ناصر بنفسه، وقال المسئولون السوريون وقتها: "دمشق لن تنام الليلة"، حسبما نشرت صحيفة الأهرام في اليوم التالي. 

 ويتابع قائلا : "عندما تشاهد على شرائط مسجلة مئات آلاف البشر تتدافع إلي عبد الناصر فى ذلك اليوم قبل ستين سنة تحمل سيارته حتى كادت أن تتحطم تحت وطأة التزاحم ، فلابد أن تنصت لصوت التاريخ، وتدرك بالعمق أنها كانت تهتف للمعنى قبل الشخص، وأن هذه لم تكن "انفعالات عواطف" بل حقائق تاريخ يجسدها رجال وأحلام سجلتها أغانٍ بأصوات "أم كلثوم" و"محمد عبدالوهاب" و"عبدالحليم حافظ" و"نجاح سلام" و"محمد قنديل" وآخرين". 

 و يضيف السناوي في شهادته على الأحداث أن السراج كان في مشكلة مستعصية لأنه لم يكن قد أعد احتياطاته لتأمين الرئيس ناصر أمام المشاعر الجياشة للمواطنين السوريون العاشقون لمصر فضلا عن الكتل الشعبية العابرة للحدود قادمة من دول مجاورة خصوصًا لبنان، وحملت الحشود المتدافعة سيارة "عبدالناصر" على الاكتاف فى مشهد تراجيدى تاريخى يكاد لا يصدق، وسهرت حتى الفجر بالمشاعل أمام قصر الضيافة، وكانوا من وقت لآخر ينادونه بلا كلل: "طل علينا يا جمال". وأوضح أنهم كانوا يحملون فى فكرهم ووجدانهم منجزات ناصر بتأميم قناة السويس وإحباط العدوان على مصر ومعارك التحرر الوطنى ومحاربة الأحلاف الاستعمارية وتنويع مصادر السلاح والانحياز إلى الحق الفلسطينى ومبادئ باندونج، وانتابتهم الأمل بأن يصنعوا تاريخهم بأنفسهم وأن يوقفوا أى امتداد جديد لقرون من الإذلال والتهميش. ناصر ذهب لأماكن في سوريا لم تطأها قدم وكيل وزارة دمشقي.. 

ناصر اقترب من دخائل المجتمع السورى لتدارك أى أخطار محتملة على الوحدة، والتي قد بدأت تظهر على السطح السياسي. وفي رحلته الأخيرة قبل الانفصال التي رواها الكاتب أحمد بهاء الدين قائلا: "كانت حقا رحلة شاقة، كان استقبال الشعب لجمال عبدالناصر كالعادة أسطوريا، ذهب إلى مناطق قال لنا أهلها إنه لم يسبق أن زارها وكيل وزارة من دمشق العاصمة، وكانت التسهيلات فى بعض تلك المدن التى لم يدخلها مسئول واحد معدومة تماما، لم تكن هناك ببساطة أماكن أمام رئيس الجمهورية العربية المتحدة وصحبة من الوزراء والصحفيين المصريين والسوريين لا للمبيت ولا للمأكل ولا أى شىء على الإطلاق" . 

 إنجازات الوحدة اقتصاديًا وسياسيًا في سوريا إن المنجزات الاقتصادية كانت كبيرة وعلى رأسها بداية مشروع سد الفرات والذى كان يراه عبدالناصر موازيا لمشروع السد العالى إضافة لحماية سوريا من تهديدات الأحلاف التي كانت تتربص بها، ولقد حققت الوحدة إنجازات كبيرة لسوريا عبر السير على طريق الاشتراكية ورفض منطق الاقتصاد الحر الذي يسيطر عليه الغرب وقتها، وتبني سياسة التوجيه الاقتصادي وتحرير النشاط المالي من السيطرة الأجنبية والرأسمالية وإنهاء احتكار القلة المالكة بقوانين الإصلاح الزراعي والعلاقات الزراعية ثم بقرارات يوليو الاشتراكية عام 1961 وزيادة قدرة القطاع العام بتمليكه المصارف التي أقامتها الدولة والمصارف والشركات التي أممت وحصص الدولة في بعض الشركات، وبإلغاء قانون العشائر وتشجيع الجمعيات التعاونية وبتدعيم الإنفاق على التنمية الأمر الذي ضاعف من عدد وطاقة الطبقة العاملة بشكل ملحوظ قد بدل عهد الوحدة من واقع البلاد ووضعها على أبواب التحول الاشتراكي، الذي كان وقتها الحل الوحيد الذي بدل من طبيعة علاقات الإنتاج التي كانت سائدة على مدى قرون وحققت في زمن قصير أشياء وإنجازات كبيرة على صعيد المشاريع الزراعية والخدمية وفي قطاع الصناعة والتعدين والبترول والكهرباء وغيرها. انغام الوحدة عملقت الاجواء العربية، فلقد كانت اياما من الزهو التي لم تحصل بعدها في اية مناسبة. أذ تعود المواطن العربي على ان يفتح ا المذياع الذي كان وقتها سيد الاعلام وحده، ليسمع منه تلك الأغنيات اللطيفة التي عبرت عن شوق الشعبين الى اللقاء بهذه الطريقة المحمودة. فكثير من تلك الاغنيات مازالت عالقة في البال حتى يومنا هذا، ولها في النفس مساحات من عشق كلماتها. كنت تسمع مثلا أجمل ما تردد في تلك المناسبات السعيدة، فكانت اغنية المطرب محمد قنديل: ” وحدة ما يغلبها غلاب / يسامرها وحدة احباب/ توصلنا من الباب للباب / ولا حاجز مابين الاثنين ولامانع مابين الاتنين ” الى ان يقول ” اراضينا من هذا الجيل ترويها بردى والنيل .. وانا واقف فوق الاهرام وقدامي بساتين الشام” .. اما عبد الوهاب فغنى نشيده المشهور الذي قال فيه: ” كان وهما وأماني وحلما / كان طيفا / وصحا النائم يوما فرأى النور فأغفى ” .. أما صباح فغنت اشهر أغنياتها آنذاك: ” من موسكي لسوق الحميدية أنا عارفة السكة لوحديا ” . ألخ. 


 ولأن الوحدة قدر، فلم يكن منها مهرب، فهي تأسست على تعميق القوة لدى العرب، في الوقت الذي كانت تتهدد سورية احتمالات قيام اسرائيل بالعدوان عليها، في وقت كانت فيه مصر قد خرجت من العدوان الثلاثي عليها وهي تقوم باعادة تعمير مدن السويس التي دمرها العدوان الثلاثي . فلقد تسابق العسكريون السوريون الى القاهرة مطالبين بالوحدة على وجه السرعة حيث تجاوب عبد الناصر. مع انه فضل التأني في رسم حقائقها من اجل صيانتها من اية مؤامرة عليها، ولقد كان حدسه في ذلك الوقت ان العالم لن يقف متفرجا على الوحدة، وخصوصا الاميركي والاسرائيلي والفرنسي والبريطاني، ولهذا طالب منذ البداية التمهل، لكن الضغوط مورست عليه، فحصل ماحصل وتم توقيع الوحدة وقال الرئيس السوري شكري القوتلي كلمته التي كثيرا ماترددت في وسائل الاعلام ” انه يوم مشهود من ايام العمر”، وفي لحظة عناق بين الرئيسين السوري والمصري كانت القاهرة تعانق دمشق، وكانت مصر كلها في عناق مع كل سوريا. 

 و انطلاقا من تجربة الوحدة في عمرها الزاهي الذي حصل عام 1958 ، نكاد نلمس الأسس التالية:

 أولا ـ إن الوحدة الاندماجية صمام امان لدولها، على جميع المستويات الصناعية الزراعية والتجارية والاقتصادية عموما، وهي حالة انصهار شعبي أخاذ يجعله امام دولة لو تحققت خارطتها المعروفة لكنا امام امتداد يبدأ من شطوط المحيط الاطلسي وينتهي عند بحر العرب في مايوازي مساحته 11 مليون كيلومتر مربع تقريبا، وهي اكبر بكثير من مساحة أوروبا قبل اعلان الوحدة في مابين دولها الجديدة. بل ان ماتدخره الاقطار العربية من خيرات مجتمعة لاتوازيه اية وحدات اخرى، وقيل انها قد تتفوق على الولايات المتحدة والاتحاد الروسي. 

 ثانيا - كانت تجربة اكتشاف الذات الوحدوية، بل اكتشاف القدرة على الانصهار بين شعبين مصري وسوري، وحين سميت بالجمهورية العربية المتحدة فقد كانت عنوانا لانضمام أقطار أخرى إليها، وكل العرب في تلك الفترة كانوا وحدويين، رغم ان بعضهم حاربها خوفا منها، وخوفا من ان تبتلعه فيخسر كرسيه وكيانه السياسي ليذوب في المجموع، بل كان الخوف آنذاك من شخصية عبد الناصر الكاريزمية التي لم يكن ليقف في وجهها أحد. 

 ثالثا- ثلاث سنوات كانت كفيلة بكشف الأخطاء التي وقعت، فليس بين العرب تجربة وحدوية كي تكون معلما لهم يستفيدون من خبراتها، ولم يكن العرب ليفكرون اصلا في بعث ما كانوا عليه في مراحل سابقة كي تتقدم تلك الفكرة على ماعداها. 

 رابعا - فانها قدمت لوحة رائعة من جمالية الاحتشاد الجماهيري الذي واكبها وعاش آمالها، ونام وصحا على تجربتها الفذة .. حتى ان زيارات عبد الناصر الى المحافظات السورية كانت بمثابة يوم عيد من ايام أعياد العمر، فقد كان من الصعوبة لمكان ان يتمكن من الترجل في مدن لك المحافظات الا بصعوبة فائقة نظرا للحشود الشعبية وختاما فأننا اليوم ونحن في 22 فبراير عام 2020 وفي ذكرى ميثاق تأسيس الجمهورية العربية المتحدة لا يسعنا الا أن نقول: *** لقد اثبتت الايام صحة خيار الوحدة، وكلما ابتعدنا عنه، اكتشفنا أكثر جوهره، ففي تلك الايام كرست الوحدة أبعد ما هو أملا عاطفيا ورجاء بين الشعوب، بل قدمت الى المسرح العالمي دولة جديدة فرح لها كثيرون واغتاظ منها كثيرون ايضا ومنهم بعض العرب في ذلك الوقت.. 

 وعليه فنحن نؤمن أيمانا قاطعا بأن تراث كل أمة بما فيها من جماعات ، أنما هو ذلك التراكم المتلاحق الحلقات عبر العهود والعصور من الأختبارات والمنطلقات والتجارب والأنجازت بما لها من ملامح وأبعاد وقسمات. وبهذا ينتقل التراث من سابق الى لاحق، ومن ماض الى حاضر، ليبقى شاهدا حيا على وحدة الأصل وعاملا على الأستمرار والديمومة مستقبلا.. لذلك فنحن على يقين تام بأن الشعب العربي كله وبغض النظر عما يمر به الآن من مصائب ومصاعب ومحن وتهجير وتشتت وتفكك وأقتتال سببه الأستعمار الحديث، والصهيونية العالمية، والرجعية العربية بحكامها العملاء الموظفين عند مراكز شبكات الأستخبارات الأمريكية والصهيونية ما زال هذا الشعب العربي يحن للزمن الجميل الذي عشناه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عهد الحرية والنضال و العزة والكرامة والكبرياء والشموخ، ولا يمكن لهذا الشعب الوفي الأصيل أن ينسى حقيقة ما أكده الغائب الحاضر الرئيس جمال عبد الناصر حين قال: " أن الأمة العربية لم تعد في حاجة الى أن تثبت حقيقة الوحدة بين شعوبها. لقد تجاوزت الوحدة هذه المرحلة وأصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته. يكفي أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل... ويكفي أن الآمة العربية تملك وحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان... 

 ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير"..

 دكتور نبيل علبي عضو مجلس القادة المؤسسين لحركة الناصريين المستقلين- المرابطون. 

أمانة الشؤون الإستراتيجية وإلتاريخية.

شارك برايك

شروط نشر التعليقات

١- يجب أن يكون موضوع التعليق له صلة بالمقال، أو ان يكون رداً على تعليق سابق. وعلى هذا الأساس، لا يسمح باستخدام التعليقات كوسيلة لإرسال الكتابات أو النقد العام الغير متعلق بالمقال.


٢- لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بالتحريض على العنف أو بارسال كتابات مفعمة بالكراهية أو بذيئة أو إباحية أو مهينة أو غير قانونية أو خادعة.

٣- لا يسمح باستخدام التعليقات للدعاية التجارية، كما لا تسمح أي مواد تخالف قوانين حق النشر أو حقوق أخرى لممتلكات فكرية لأي شخص أو طرف ثالث.

٤- بعد توفير لوحة مفاتيح للزوار الذين لا يستطيعون ادخال الأحرف العربية, يجب ان تكون التعليقات باللغة العربية وبالأحرف العربية.

ملاحظة:
١- اذا تم ملاحظة تعليق يخالف هذه الشروط، الرجاء الإتصال بنا وابلاغنا تحت عنوان "مخالفة" على بريدنا العام

 

تصميم وتنفيذ المكتب الإعلامي المركزي لحركة الناصريين المستقلين - قوات المرابطون

All Rights Reserved. Copyright protected 2006-2018 حقوق الطبع والنشر محفوظة