• الحرية في فكر عبد الناصر - دراسة داخلية

    إن الناصرية من خلال مسيرة كفاحها الطويلة والمريرة ومن خلال إنفتاحها على العالم وعلى كل معطيات تطوره ودراستها لتجارب الشعوب الأخرى ، وضعت الأهداف الأساسية للثورة العربية المتمثلة بالحرية والإشتراكية والوحدة .

    وهي في طرحها لهذه الأهداف لم تضعها في مواقع الجمود المذهبي بل فتحت الأفاق الواسعة للتطور في مفاهيمها مع تطور الثورة العربية وصعودها .

    لقد صاغت الناصرية للأمة العربية نظريتها السياسية وفكرها الثوري واستخلاصا من تراث الأمة الحضاري من واقع التجربة والممارسة وواقعها المعاصر ، وضمنتها في مواثيق فكرية ممنهجة ثلاث :
    فلسفة الثورة ، الميثاق ، بيان 30 مارس ، إضافة الى الممارسة الثورية التي تعتبر كمنهج هي الأخرى والتي قادها القائد المعلم عبر ثمانية عشر عاما .

    ولقد أكد القائد المعلم للقوى الناصرية هذا الأمر منذ 1968 ، فذكر ان الميثاق هو بالنسبة لثورتنا العربية نظريتها السياسية وهو بالنسبة لإشتراكيتنا فكرها الثوري .

    إن ترتيب الأهداف الأساسية لا يعني تسلسلا تاريخيا حتميا في تحقيقها فإن ما يصلح لمرحلة من مراحل النضال قد لا يصلح لكل المراحل . إن الوحدة لا بد من أن تكون تقدمية أي ذات محتوى إشتراكي ، وإن الإشتراكية لا يمكن أن تنجح وتتعمق ضمن حدود التجزئة كما إن الحرية لا يمكن أن تكون حقيقية لأي جزء من أجزاء الوطن العربي ما دامت هناك أجزاء محتله وما دامت التجزئة قائمة والحرية السياسية لا بد أن تتكامل مع الحرية الإجتماعية .

    إن أية نظرية لا بد أن تتميز بصفتين أساسيتين هما : العملية الثورية والعلمية ، والعقل العلمي بطبيعته ينفتح على الواقع ويتغذى من كل التجارب الإنسانية ويرفض الأطر المسبقة . والنضال القوي الإشتراكي مطالب بتحقيق ثورة ذات ثلاث إتجاهات ، إتجاه ثوري علمي على الصعيد الفكري والممارسة ، وعلى الصعيد الإقتصادي لتحويل العلاقات الإجتماعية شبه الإقطاعية وشبه الرأسمالية إلى علاقات جديده إشتراكية ، وعلى صعيد النضال القومي لنسف كل حدود الفرقة بين أجزاء الوطن العربي .
    وخلاصة لما قلناه ، لقد وجدت الناصرية إن الواقع الذي تعيشه الأمة العربية قائم على الإستعمار والإستغلال والتجزئة ، ولا بد من التصدي لهذا الواقع وهدمه وبناء مجتمع عربي جديد موحد قادر على متابعة مسيرة الحضارة العربية والإنسانية ، ولا سبيل الى تحقيق ذلك إلا عن طريق الحرية والإشتراكية والوحدة التي هي بالتالي الحلول العلمية لمشاكل الأمة العربية .


    أولا : في الحرية
    إن الحرية بالمفهوم الناصري هي حرية الوطن وحرية المواطن .

    حرية الوطن :
    إن الحرية لا بد أن تعني التحرر الإقتصادي والسياسي في أشكال السيطرة الإستعمارية . ونحن ندرك مدى إلتزام القيادة الثورية الناصرية بهذا المنطلق وخوضها صراعا عنيفا مع الإستعمار والإمبريالية في شتى مواقفها على أرض الوطن العربي . مما زلزل أركان وجودها وضرب مرتكزاتها المتمثلة في الرجعية والرأسمالية . أن الصيغ التي أعتطها الرجعية والرأسمالية للحرية أفرغتها من مضامينها الحقيقية وحولتها إلى حرية بيد الطبقات العليا من المجتمع وحرمتها على الغالبية العظمى من الشعب .

    إن الحرية كانت هي حرية رأس المال والاقطاع مما أهله ذلك لأن يفعل ما يشاء لتثبيت مصالحه وحمايتها ولو بالترابط مصلحيا مع الإستعمار والحرية السياسية ----- بفعل سيطرة الإقطاع ورأس المال .

    إن الحرية التي حصلت عليها بعض الأقاليم العربية ... بقيت ناقصة لأنه لم يرافقها تحقيق للحرية الإجتماعية بدأ بحرية العمل والعيش والتفكير للغالبية العظمى من أبناء شعبنا وانتهاء بضياع حرية النقد بضياع حرية الصحافة .

    إن حرية الوطن تعني أن الإرادة العربية يجب أن تكون وحدها هي السائدة ، بدون نفوذ أو تبعية ، ومن أجل ذلك لا بد من أن يطرد الاستعمار الصهيوني (إسرائيل) الذي هو في حقيقة الامر جيبا من أخطر جيوب الإستعمار ضد نضال الشعب العربي وأهدافه .

    إن الناصرية ، قد اعتبرت الإستعمار بكافة أشكاله العدو الأول لحرية العرب ، لأن هدف الإستعمار هو أستيعاد الشعب العربي واستغلاله وبقائه متخلفا ومجزءا ، كما أن النفوذ والتبعية قيد على الحرية العربية والإستقلال الحقيقي وتكبيل الإرادة العربية وعائق دون بناء الدولة العربية الواحدة

    وفي سبيل تحقيق هذا الهدف ، فإن الثورة الناصرية خاضت من أجل الحرية العربية أشرس المعارك ضد الإستعمار وكشفت جميع أقنعته وحاربته في أوكاره ، فطردت قواعده العسكرية والإقتصادية من أجزاء واسعة في الوطن العربي وجابهته في معركة السويس وحطمت حلف بغداد وأحبطت مشروع أيزنهاور وقاومت أي ضغط للدخول في مناطق النفوذ والتبعية ومدت يد المساعدة لكل الإنطلاقات الثورية في الوطن العربي ، مما دعا الإستعمار إلى حشد كل القوى المساعده له وفي مقدمتها (إسرائيل) لاستخدامها كأداة ضد الثورة وجماهيرها فكانت حرب حزيران 1967 ، إلتي لم يكن هدفها التوسع على حساب الأرض العربية فحسب بل تحطيم إرادة الأمة التي حررتها الناصرية من قيودها ووضعتها موضع الصمود .

    لقد توجهت الثورة الناصرية لبناء القوة الإقتصادية التي هي مصدر الصمود والتقدم ، فوضعت خطط التنمية الكفيلة برفع مستوى الجماهير ومضاعفة دخلها ، وبناء القاعدة الإقتصادية الضخمة التي تدعم جبهة القتال ، كما سارت في طريق الثورة الإجتماعية لقطع الصلة نهائيا بين الإستعمار وحليفه الرجعية وإقامة الحياة الديمقراطية السلمية لقوى الشعب العاملة . وكذلك عندما قدمت الثورة الناصرية إيمانا منها بحق الشعوب بالحرية ، وبأن أمتنا جزء من الجبهة المعادية للإستعمار العالمي المعنويات المادية والمعنوية لحركات التحرر العالمية ، وانتصرت لها في جميع الميادين وأعطت لهذه الحركات النموذج الرائع في الثورة ضد الإستعمار فكان لها آثار عميقة وبعيده على حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية ضد الإستعمار بكافة أشكاله .

    حرية المواطن :
    تعني تحرير الإنسان العربي سياسيا وإجتماعيا ، ذلك أن الديمقراطية لا تتحقق إلا بوجود مواطنين أحرارا يستطيعون التعبير عن آرائهم بكل الحرية دون خوف او ------ ، لذلك كان إصرار القائد المعلم على ضرورة الربط الحرية السياسية والحرية الإجتماعية ، لا يمكن الفصل بينهما ، فهما جناحا الحرية الحقيقية وبدونهما أو بدون أي منهما لا تستطيع الحرية أن تحلق الى آفاق الغد المرتقب .
    ولقد كان الإصرار من جانب الثورة الناصرية من الدروس المستفاده الإشكال الديمقراطية التي مارستها الرجعية بالخداع والتضليل بحكم سيطرتها على القوة الإقتصادية . فكانت توجه العمل السياسي بما يخدم مصالحها ومصالح الإستعمار المتحالفة معه . إنّ النظام السياسي في بلد من البلدان ليس إلا انعكاسا للأوضاع الإقتصادية السائدة فيه وتعبيرا دقيقا للمصالح المتحكمة في هذه الاوضاع الإقتصادية .
    وعلى ضوء هذه الحقيقة ، فإن سيادة الإقطاع من رأس المال المستغل على إقتصاديات الأقاليم في الوطن العربي كانت لا بد من أن تمكن لهما طبيعيا وحتميا من السيطرة على العمل السياسي فيه وعلى أشكاله وعلى ضمان توجيهها لخدمة التحالف بينهما على حساب الجماهير وإخضاع هذه الجماهير بالخديعة أو بالأرهاب حتى تقبل أو تستسلم .
    أن الديمقراطية على هذا الاساس لم تكن إلا ديكتاتورية الرجعية ، ذلك أن حق التصويب قد فقد قيمته حين اتصاله المؤكد بالحق في لقمة العيش ، وأن حرية التصويب من غير لقمة العيش وضمانتها فقدت كل قيمة وأصبحت خديعة ومضلله للشعب . وتبعتها في ذلك فقدان حرية التنظيم الشعبي وحرية الصحافة وحتى حرية العلم .

    أن المجتمعات العربية ليست مجتمعات رأسمالية محضة بل هي مجتمعات شبه إقطاعية قبليه ، ولهذا بقيت البرلمانية في وطننا مجرد بقاء فوقي كرتوني ونسخة مزيفه عن البرلمانية الغربية ولم تستطع مواجهة مهام النضال القومي الإشتراكي من جهة ، كما أنها لم تستطع ترسيخ جذورها في الحياة العربية .
    لقد عكست البرلمانية بوطننا الوضع الاجتماعي المتخلف . ومن خلال التناقض بين مصالح الجماهير وواقع البرلمانية الرجعي وكالعكس سلبي عفوي لغضب الجماهير ، انفجرت الانقلابات العسكرية لذا فأن شكل البرلمانية املاه الواقع الموضوعي الملموس لتطور امتنا خلال تطور النضال الاجتماعي والسياسي لها لذا ، ان البرلمان الذي اقامه هذا الدستور ، لم يكن حاميا لمصالح الشعب وانما كان بالطبيعة حارسا للمصالح التي منحت هذا الدستور (الميثاق) ؟
    لقد فضحت الناصرية هذا التزييف المروع في ديمقراطية الرجعية وأصرت على بناء الديمقراطية السليمة عن طريق تحرير الانسان العربي سياسيا واجتماعيا ، وعلى هذا الاساس فان الناصرية قررت :

    1- توفير الضمانات اللازمة لحرية الانسان العربي بتحريره من الاستغلال في جميع صوره --------- فرصة متكافئة في نصيب عادل من الثروة الوطنية وبتخليصه من كل قلق يبدد امن المستقبل في حياته ، وبهذه الضمانات يملك المواطن حريته السياسية ويقدر ان يشارك في تشكيل السلطة التي يرتضي حكمها .
    2- تحقيق الديمقراطية السياسية لقوى الشعب العاملة لانها تشكل الاكثرية الساحقة للشعب . هذه الاكثرية صاحبة المصلحة الحقيقية في تقدم المجتمع ، فالديمقراطية بحد ذاتها هي توكيد السيادة للشعب ووضع السلطة كلها في يده وتكريسها لتحقيق اهدافه ، لذلك كان لا بد ان يسقط نهائيا والى الابد تحالف الاقطاع ورأس المال المستغل ، وان يقوم البديل الشرعي وهو تحالف قوى الشعب العاملة القادر على احلال الديمقراطية السليمة محل الديمقراطية الرجعية .
    3- وضع الحقائق دائما في متناول الجماهير . ذلك ملك الجماهير ---- تنكر لا بسط مبادىء الديمقراطية . ان الشك في سلامة حس الجماهير –(لان الشعب هو الامعلم)—هو الانزلاق نحو التعصب والانغلاق ، وان ----- الحقيقة امام الجماهير ستكون وسيلة لتثقيفها وتكامل نضجها .
    والطلائع الثورية مطالبة دائما بمصارحة الشعب بكل ما يتعلق بشؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
    4- ان ممارسة الديمقراطية يفرض تحرير المرأة العربية . وان بناء مجتمع حر لا يمكن ان يتم الا بتحقيق التوجيه العلمي والعملي للمرأة في معركة البناء والتقدم .
    - ان حرية المرأة تقتضي نفس العادات والتقاليد المتخلفه والتي أصبحت في هذا العصر باليه ومعيقه ان المرأة تمثل نصف المجتمع ، وليس من الثورية في شيىء ان يبقى هذا النصف مشلولا غير فاعل . ان تحقيق الحرية الاقتصادية والسياسية للمرأة هو مدخل حقيقي لتقدم المجتمع العربي .
    5- ان الديمقراطية يجب ان تتسلسل وهي صاعدة الى الاعلى لتحقيق مبدأ جماعية القيادة ، الصورة الديمقراطية للسلطة الثورية في القمة .
    - ان جماعية القيادة ليست عاصما من مجموع الفرد فحسب ، وانما هي تأكيد للديمقراطية على اعلى
    المستويات كما انها في الوقت ذاته ضمان للاستمرار الدائم المتجدد – الميثاق .
    6- ان الناصرية رفضت اي شكل من اشكال التحكم الطبقي ، لان هذا التحكم لا يمثل الديكتورية الطبقية على مجموع الشعب ، وبالتالي فان تحالف قوى الشعب العاملة ( العمال ، الفلاحبن ، الجنود ، الوطنيين ، المثقفين الثوريين ، والرأسمالية الوطنية غير المستغله هي الصيغة الحقيقية للوحدة الوطنية وهي الطريق الوحيده لتذويب الفوارق بين الطبقات .
    لذلك كله ، كانت حرية المواطن التي هي اثمن ما في الوجود هدفا رئيسيا من اهداف الناصرية ذلك لان الانسان الحر هو اساس المجتمع الحر وهو بناؤه المقتدر . والحرية وحدها هي القادرة على تحريك الانسان العربي الى ملاحقة أهداف امته ومتابعتها باستمرار حتى يتم تحقيقها كاملة .

0 comments:

Leave a Reply

البث التجريبي الإذاعي

صوت لبنان العربي
لسماع اذاعة صوت لبنان العربي يجب ان يكون لديك خدمة جافا. الرجاء تنزيل البرنامج من http://www.java.com صفحة جافا

خدمات الكترونية

شهدائنا

نبذة عن مجموعة جديدة من شهداء قوات المرابطون

الثبات شرفنا , النصر ذاكرتنا , العزة تراثنا

يجري التحميل ...

آخر مداخلات الزوار

مواقع ذات صلة